الغربة في الأغنية المغربية الكلاسيكية المعاصرة

د.عبد القادر أمين/ المغرب

 

اهتمت الأغنية المغربية بقضايا المهاجرين، معبرة عن معاناتهم الاجتماعية والنفسية والصحية، واعتبرها الرواد الأوائل أداة فنية قادرة على ترجمة مشاعر وأحاسيس الإنسان / المهاجر، وقدموها على شكل تعبيرات فنية متنوعة عبر اللغة واللحن والإيقاع، كما سجل الباحثون اختلاف مواضيعها حسب سياق الأحداث وميولات المغنين.

وفي السياق ذاته تعتبر الفنانة غيثة بن عبد السلام من المغنيات اللواتي نشأن في وسط فني، حيث كان أبوها محمد بن عبد السلام ملحنا، لحن لها مجمل أغانيها التي اشتهرت في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، واستمرت حتى أواخر التسعينيات. واعتبرت من أجمل الأصوات النسوية المغربية التي أغنت الخزانة المغربية وأسهمت في تنوع مواضيعها العاطفية والاجتماعية.

ورغبة منا في خلق نقاش حول إنتاجات هذه المرحلة، اخترنا المساهمة بقراءة نقدية لأغنية "عام في الغربة".

إذا كانت الأغاني تتناول الغربة من خلفيات مختلفة ومتنوعة، فإن أغنية "عام في الغربة"[1] تتناولها في بعدها العاطفي؛ فمن عادة الشعراء أن يعبروا عن الغربة على لسان المغتربين، كما ورد في أغنية محمد الغاوي "الغربة"[2] التي يتذكر من خلالها المغترب بلده ومحبوبته، لكن هذه الأغنية تختلف عن سابقاتها، لكونها تعبر عما يخالج المحبوبة من أوهام وشكوك بسبب القطيعة التي تمت بينها وبين المغترب، فالتركيز فيها منصب على ذات المحبوبة التي تعيش في وطنها، فكل أحاسيسها ومشاعرها تعيش مع الآخر في وطن الغربة.

إن أغنية الغاوي تعبر عن المشاعر المزدوجة: الغربة والعشق "الكَادي"،  بينما أغنية "عام في الغربة"  للمغنية غيثة بن عبد السلام تعبر عن وجه آخر للغربة تعكس  حالة الانتظار  ومعاناة الآخر: غربة اجتماعية، عاطفية لها حضور  في المجتمع المغربي  الذي يعرف هجرة الشباب  تاركين وراءهم عائلة أو زوجة أو خطيبة أو معشوقة تتألم ومشتاقة لمجيئهم، هذه  الظاهرة تكاد تعتبر قاعدة اجتماعية تتميز بها المجتمعات المحافظة التقليدية التي تؤمن بأن العائلة الصغيرة تبقى في البلد حفاظا على التقاليد وعلى الهوية الثقافية للأبناء،  فضلا عن عدم قدرة الزوجة أو المعشوقة على التعبير عن أحاسيسها جهرا،  فمن عادات المرأة  المحافظة كتمان اشتياقها  وعدم  البوح به،  إلا أن هذه الأغنية على غرار أغنية  "الله عليها زيارة" عكست جرأة المغنية،  كما أحدثت تغييرا في نمط  تعامل الصوت النسوي مع الأغنية المغربية[3].

عنوان الأغنية:

إن عتبة العنوان بمثابة إعلان يفتح باب التأويل والافتراضات، ويفتح شهية المتلقي وينعش مخيلته لاستحضار وتخيل ما سيأتي في الأغنية، وفي هذه الحالة يعتبر هذا العنوان "عام في الغربة"، انعكاسا لسيل من الأحاسيس تجعل مفهوم الزمن لا يقاس بعدد الأيام والشهور، بل بالبعد النفسي للمتكلم، يطول ويقصر حسب النفسية، كما أن توظيف كلمة "عام"  في عتبة النص لها حمولة نفسية يريد المبدع من خلالها إشعار المتلقي بطول انتظار المتكلم ومعاناته النفسية، مما يجعله يعد الأيام التي تمر ببطء. وهذا هو حال المغنية.

 

المستوى اللغوي والنحوي:

من خلال قراءة أولية للنص وفحص تشكيله اللغوي نستنبط توظيف ضميرين أساسين: ضمير المتكلم الذي يعود على المغنية وضمير المخاطب "كاف الخطاب" الذي يعود على المغترب، بالإضافة إلى توظيف أسلوب التكرار بنوعيه اللفظي والمعنوي، مما أعطى للنص قوة التأثير وجمالية التلقي في أغنية تتنوع إيقاعاتها وموسيقاها الشعرية والغنائية، حيث ورد "كاف الخطاب" في الأغنية ثلاثين مرة. وارتبط بفعل "سألت عليك " من السطر السادس حتى العاشر خمس مرات.

 

التوظيفات البلاغية وعلاقتها بالبعد الدلالي للأغنية:

تضمنت الأغنية مجموعة من الصور الشعرية، جعلت النص/ الأغنية ماتعا، حاورت من خلالها المغنية عناصر الطبيعة وأضفت عليها صفة الإنسان الذي يحس ويتأثر، وسألتها عن محبوبها بأسلوب رومانسي:

سألت عليك كُلْ نَسْمَة جَاتْ مَنْ بْعٍيدْ.

سألت عليك نَغْمَة تَحْلَى فْغْنَاها.

سألت عليك كُلْ فَرْحَة فَوْجُوهْ النّاسْ.

سألت عليك كُلْ قَنْدٍيلْ يَشْعَلْ بَاللّيلْ.

شْكٍيتْ لَخْيَالَكْ فَاليَقْظَة..حْكٍيتْ مَاصَايْرْبٍيَا.

كل هذه التوظيفات لا يمكن تحقيقها في عالمنا، لكن عوالم النص جعلتها تتفاعل وتتواصل من طرف واحد مع المغنية كأنها كائنات حية: النسمة -النغمة-الفرحة-القنديل-الخيال.

في السياق ذاته، تم توظيف تعابير استعارية واستحضار عناصر الطبيعة للتجاوب مع الذات المتكلمة لتسألها عن محبوبها:

سألت عليك كُلْ نَسْمَة جَاتْ مَنْ بْعٍيدْ.

تشير النسمة إلى الشيء الجميل الذي يحبه الإنسان، وحضوره يعني انتعاش الجسد والروح، ويسترسل في دخول حوار مع أشياء معنوية في تعبير مجازي ليسأل النغمة الحلوة، فالشاعر يضفي على الحوار نوعا من الرقة التي تعطي فسحة للرومانسية، ليسأل من جديد الفرحة التي تظهر على وجوه الناس، وينتقي كل ما هو جميل.

سألت عليك كُلْ فَرْحَة فَوْجُوهْ النّاسْ.

استعمل القنديل باعتباره أداة تقليدية كأن الشاعر يريد الإحالة على الطبيعة البدوية لنمط عيش الذات المتكلمة محددا الزمن الذي يعتبر أمرا بديهيا، لأن القنديل يشعل ليلا، والصورة دائما تعكس الوحدة والسهر الليلي؛ هذا التعبير لغة توظف في الكثير من الأشعار التي تتحدث عن الغربة والاشتياق والحب، فغالبا ما يرافقها سهر الليل ومناجاة مكوناته.

سألت عليك كُلْ قَنْدٍيلْ يَشْعَلْ بَاللّيلْ.

يجمع الشاعر بين المتضادين: الولع والصبر من جهة والجمال من جهة أخرى، مقتبسا تعبيرا مجازيا للدلالة على أن هناك صبرا جميلا وصبرا غير جميل وهو يحاور الأول:

سْألْتْ عْلِيك كُلْ وَالَعْ صَبْرو جَمِيل.

يراود المغنية الشك في انقطاع الأخبار عن المحبوب وتفترض أنهم أخذوه وأبعدوه عن التفكير فيها:

يَاك مَاخدوك وَدّاوْكْ يَاك مَافِيَّا نَسَّاوْكْ.

لم يعد المشكل مطروحا في البعد والفراق ولا أيضا في التواصل عبر الرسائل لأنها تتساءل عن جدوى كتابتها في غياب وجود من يقرأ للحبيب ما تكتب ومن يبلغه نار شوقها المشتعلة، فهذا المفترض سيقدم لها خدمة كبيرة لأن الغربة طالت، موظفة تعبيرا استعاريا حينما تحدثت عن نار الشوق:  

شْكُونْ يَقْرَى لِكْ كْتَابِي أَوْيَبَلَّغْ نَارْ شوْقِ وَلِعْتِي يَعْمَلْ مْزِيَّة.

وتقدم جملة شعرية مجازية، لكنها غير واقعية، فهي تشتكي لخياله في اليقظة، وليس في المنام أو الخيال، هذا التعبير يفوق التصور، حيث أعطى للخيال حقيقة في الوجود في نفحة صوفية  من أجل  التعبير عن المعاناة:

شْكِيتْ لَخْيَالَكْ فَالْيَقْظَة حْكِيتْ مَا صَايْرْ لِيَّ

وفي الأخير يوظف الموروث الثقافي المرتبط بالشعوذة، وبالشوافة/"المرأة التي تفسر الأبراج"؛ من خلال توظيف أحد التعابير التي تكون مقدمة للاطلاع على الحظ وكشف ما يخبئه المستقبل للإنسان.

إن توظيف ظاهرة الشعوذة ليست بريئة، بل هو تعبير عن تراكمات لاعتقادات يلجأ إليها الإنسان عندما يعجز عن حلها بشكل واقعي؛ هذه الظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا ولها جذور تاريخية، رغم ما عرفته المجتمعات من تثاقف واحتكاك حضاريين.

يَا حْديثِي يَا تَخْمَامِي اشْنُو.. خاَطْرِي ولاَحَنْ عْلِيَّا

صَبَّرْنِي قَلْبِي يَمَّا وقَالْ لِيَّا لاَبَدَّ مَا يْوْلِّي حْمَامَة

إن الفكر الخرافي له حضور في هذا المقطع الذي تم فيه اللجوء الى "الكارطة"[4] التي ستزودها بكل الأسرار بعد تحوّل محبوبها إلى حمامة، ويأتي طائرا ليراها، إذ تستحضر نصوصا من الحكايات الشعبية والخرافية، فضلا عن كونها لم تكتف بالتعبير اللغوي لترجمة أحاسيسها، بل أضافت بعض الآهات وكررتها من لحظة إلى أخرى بين مقاطع الأغنية للتنفيس عن حسرتها وحزنها:

آه   أه آه آه....

إن النص يتحدث عن الغربة في ظاهره، لكنه يتضمن في عمقه تعبيرا عن العشق ولوعة الفراق وطول الانتظار، فمن خلال وصف وإحصاء معجم الأغنية يتبين أن المعجم الدال على الغربة أقل توظيفا من معجم الحب والاشتياق، لكن ارتباط بنية النص الكلية مع السياق الخاص والعام للنص تسهم في اتساقه وانسجامه خدمة لتيمة الغربة الأساس في الأغنية باعتبارها من نتائج الهجرة وسببا في المشاكل الاجتماعية ومعاناة أقرباء المهاجر.

يراود المغنية الشك في أن محبوبها أبعدوه عنها ومَسحوا من ذاكرته العلاقة الحميمية التي كانت تجمعهما، وهذا الشك والاعتقاد استحضار لثقافة مجتمعية لها وجود خارج النص، إذ تعتبر ممارسة اجتماعية مغربية يومية، فكلما تأخر المسافر/ المهاجر سيطر الخوف على محبيه ويزداد ذلك عندما تحاول النساء تكريسه عبر رسائلهن الشفوية أثناء الحديث المتبادل بينهن في أماكن تجمعهن في محيطهن العائلي، فغالبا ما يوسوسن ويحذرن المرأة وينصحنها بضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار إمكانية "خطفه" من إحدى الأجنبيات بالمهجر، تقول:

يَاكْ مَاخَذُوكْ وَدَّاوْكْ يَاكْ مَافِيَّا نَسَّاوْكْ

وفي السياق ذاته نستنتج أن العبارات التي ترتبط بالغربة بشكل مباشر في النص يتضمنها العنوان "عام في الغربة"،  لكن باقي العبارات هي شجن وأحاسيس نابعة من الذات المنتظرة والمتألمة من الفراق،  فالنص لم يتحدث عن معاناة المهاجرين المغتربين في بلاد المهجر ولم يتحدث عن مشكل الاندماج والهوية وخطاب العنصرية  ولكنه ركز  فقط على  الحب  والاشتياق  والانتظار والحيرة التي واكبت الذات الشاعرة منذ بداية النص، لهذا نرى أن العنوان مرتبط بوقائع الأغنية لأنه يعبر عن مدة الغربة التي حددها في عام، فضلا عن  ارتباطه  ببنيات النص التي تعكس آثار تلك المدة على نفسية الشاعر/ المغنية. أما ما يخص الفاعلين في الأغنية فتتراوح أدوارهم بين نقل الخبر أو المساعدة أو المناجاة، فلا وجود لفاعلين حقيقيين ساهموا في الكشف عن الغربة باستثناء الفاعل المحال عليه بضمير المتكلم/ المغنية، والفاعل المحال عليه بالكاف باعتباره يحيل على المهاجر.

نستنتج أن الأغنية لم تتطرق لمعاناة المهاجرين وظروفهم المعيشية، ولكنها عبرت عن شعور المتكلم/ المغنية التي تبوح بمعاناتها الناتجة عن لوعة الفراق.

بْطَا عْلِيَّ وَقْتَاشْ نْشُوفَكْ.

طَالْ صَبْرِي كِيفْ نَعْمَلْ وَاشْ الْمَعْمُولْ.

الأداء اللحني للأغنية:

تبدأ الأغنية بمقدمة موسيقية على غرار الأغاني الكلاسيكية الشرقية والعربية، تعزفها فرقة موسيقية، غير أن المغنية غيثة بن عبد السلام تتناوب في تناغم مع أداء الفرقة الموسيقية بآهات تختبر فيها جاهزيتها للأداء كباقي المغنين، فالأغنية غنية بالجمل اللحنية[5] المتنوعة،  تتضمن جوابات اعتمدت على آلة الناي باعتبارها  من الآلات الموسيقية القديمة  المعبرة عن الحزن تناغما مع تيمة الغربة، كما أن اختيار "مقام الصبا" [6] لم يكن اعتباطيا من قبل الملحن لأنه  كان على مقاس الموضوع / الغربة، فضلا عن أن الأغنية تعبير عن بوح امرأة في وسط محافظ ينكر عليها حقها في التعبير عمّا يخالجها من إحساس بالحب والاشتياق ، لذا فإن اللحن يتماهى مع ما سبقت الإشارة إليه، بالإضافة  إلى أداء المغنية  وتكرارها لآهات سواء في تجاوبها مع الفرقة الموسيقية في المقدمة أو وسط الأغنية  كوسيلة للتطريب بإيقاع  مغربي  أصيل " الحضاري "[7]  ميزانه 4/4 .

وخلاصة القول: إن أغنية "عام في الغربة" التي كتبها الزجال أحمد الطيب العلج، ولحنها الموسيقار محمد بن عبد السلام، وغنتها المغنية غيثة بن عبد السلام، جمعت بين هؤلاء الثلاثة ليقدموا كل من موقع اختصاصه ومكانته الفنية أغنية من أجود الأغاني المعاصرة، ما زالت الذاكرة تحتفظ بها وتذكر بالمرحلة التي كانت فيها المحافظة على البعد الاجتماعي والفني للكلمة واللحن والأداء سائدة.


 

[1] https://www.youtube.com/watch?v=A4n2V13Oqzk

[2] https://www.youtube.com/watch?v=ca28Khaopv8

 [3]    بديعة: علي الحداني، صدى الزواقين، نشر بتاريخ 23 مارس2010، اطلع عليه بتاريخ 18/08/2022 بتصرف https://2u.pw/dlWiF

 [4] الكارطة لعبة الورق، يوظفها بعض المشعوذين ليكشفوا للراغبين معرفة مستقبلهم أو خبر عن واقعة معينة، في الأغنية لجأت المغنية لمعرفة أخبار المغترب الى من يوظفون هذه الوسيلة.

 [5] الجمل الموسيقية: تتألف الجمل الموسيقية من مجموعة متتابعة من العلامات الموسيقية التي تفصل بينها فواصل زمنية تعرف بالسكتات، أنظر كتاب الموسيقى من الألف إلى الياء إعداد أوس حسين علي، مكتبة عالم المعرفة للطباعة والنشر، بغداد، 2016، ص121.

[6]    مقام الصبا من المقامات العربية التي تعبر عن الحزن ويوظفه الملحنون في أغاني تعبر عن الألم والحزن وأحيانا الاحتجاج: ري – مي- فا- صول بيمول- لا- سي بيمول- دودياز، فهو من المقامات الشاذة التي لاتنتهي بنفس درجة الركوز، أنظر كتاب المقام العراقي، تأليف الحاج الهاشم الرجب، منشورات المثنى ، بغداد ط 1961.1 ص143.

[7]  الحضاري: إيقاع مغربي 4/4 يبدأ بـ "دم" وينتهي بـ "دم" ، دم- اس ، تك ، دم. أنظر رابط الشريط التالي: https://2u.pw/MxFBJcM

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل قالب البشرف حبيس الموسيقى العربية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM